الفيض الكاشاني

652

الوافي

بيان : « عزلا » لا سلاح لهم ( 1 ) بضم العين وسكون الزاي جمع أعزل ، وكذلك أخواته بهما ليس معهم شيء وقيل يعني أصحاء لا آفة بهم ولا عاهة وليس بشيء « جردا » لا ثياب لهم ، « مردا » ليس لهم لحية وهذه كلها كناية عن تجردهم عما يباينهم ( 2 ) ويغطيهم ويخفى حقائقهم مما كان معهم في الدنيا لسوقهم النور ( 3 ) أي

--> ( 1 ) قوله « عز لا لا سلاح لهم » في مرآة العقول عن الجزري ، الأعزل هو الأغلف والعزلة الغفلة ، وبهما جمع بهيم وهو في الأصل الذي لا يخالط لونه لون سواه ، يعني ليس فيهم شيء من الآفات والأعراض التي تكون في الدنيا كالعمى والعور . « ش » . ( 2 ) قوله « تجردهم عما يباينهم » لم يأت في هذا الكلام بلفظ لعل وكان وما في معناها كما هو دأبه في أمثال هذه البيانات وهو مقصوده قطعا ، ولا ريب في حسن تمثيل أمور الآخرة بأمور الدنيا ليقع البعيد في القلب موقع القريب ويستأنس بغير المأنوس بسبب الأمر المأنوس ، فإن العوالم متطابقة فكل ما في عالم يوازيه شيء في عالم آخر وإنما يأتي المصنف غالبا بلفظ كان ولعل ومثلهما لئلا يتوهم المبتدئ أن ما يذكره من التشبيه والتمثيل فإنما هو على البت والقطع والانحصار وليس مما لا يمكن تمثيله بوجه آخر وما ليس فيه كلمة الترديد فهي مرادة قطعا بقرينة ساير ما ذكره في موارد عديدة ، وما ورد في الأخبار أيضا من تمثيل أمور الآخرة بأشياء مختلفة متباينة ظاهرا قد حمله المصنف على صحة جميعها بوجوه مختلفة ، وجماعة سكتوا وأسلموا وردوا علم حقيقته إلى الله تعالى وهو أسلم وجماعة تصدوا لتأويل أمور الآخرة بشيء قطعوا عليه من غير علم وهو خطأ وهم قوم من جهلة الناس نظروا في شيء من الفلسفة من غير أن يتعمقوا ويحكموا فنهم ، وعبر عنهم الفارابي بالفيلسوف البهرج أي الزائف ، ومعنى الحكيم والفيلسوف أن يتوقف عما لا يعلم كما قال أبو علي سينا في آخر الإشارات فذره في بقعة الإمكان . وقد روى الشيخ الطبرسي في الاحتجاج أن الإمام حسن بن علي العسكري أرسل إلى يعقوب بن إسحاق الكندي رسالة حاصلها : إنك لا تعلم مراد الله تعالى من كثير من آيات القرآن وما ورد في الشرع ، فلعل ما فهمته ولم ترتضه غير ما أراد الله تعالى منها ، وقال العسكري عليه السلام : انه رجل عاقل يقبل منك هذا الكلام . . . ، وليس الحكيم من غر بنفسه وساء ظنه بالأنبياء وطعن في الدين ، ألم يكن نصير الدين محمد الطوسي والمحقق الداماد والآقا حسين الخونساري والعلامة الحلي من أعاظم الحكماء مع شدة جهدهم في ترويج الدين الحق ومواقفهم الحسنة في سبيل الله ، ولكن العوام يقيسون الحكمة والتصوف وأمثالهما بالديانات ، ويزعمون أن الحكمة طريقة واحدة يتفق عليها أهله كما أن دين الإمامية مثلا شيء واحد ولا يعلم أن لكل واحد من الحكماء استقلالا في الرأي واعتقادا في نفسه ناشئا من برهان تحقق لديه صحته ؛ فهذا فيلسوف دهري ملحد لا يعترف بالله ، وذاك فيلسوف مسلم إمامي زاهد عابد ، وبينهما مراتب غير متناهية وهذا بخلاف الديانات ؛ إذ ليس بين أفرادهم هذا التباعد . « ش » . ( 3 ) قوله « لسوقهم النور » ذكر في مرآة العقول في تفسير الجملة ثلاثة وجوه أظهرها ثالثها وهو أن يكون المراد أنه إذا حصل لهم نور يمشون فيه وإذا أحاطت بهم الظلمة يتحيرون ويقفون ، وهو الذي ذكره المصنف ثانيا . « ش » . ( 4 ) قوله « كأنها كناية عن صور تكاليف الشاقة » أخذ المصنف هذا التفسير من الشيخ المفيد عليه الرحمة ، قال : ليس المراد بها جبال في الأرض تقطع وانما هي الأعمال شبهت بالعقبات إلا أن المصنف ذكره بلفظ الترديد كما هو دأبه ، والمفيد ذكره بلفظ القطع والبت ، وما فعله المصنف أولى وانما قال كذلك لأنه لا منافاة بناء على تجسم الأعمال وتمثل المعاني في الآخرة أن تنقلب ما هو تكاليف في الدنيا جبالا وعقبات في العقبى . « ش » .